إن خدمة قضية إنسانية ووطنية تعتبر إحدى مهام الفن، ولطالما كان للفن الدور الرائد في التربية الفكرية للمجتمع للتعبير عن همومه ومشاكله وإيجاد حلول لها. الفن هو أعظم من خلد الحقائق التاريخية عبر الأثر الكبير الذي يرسمه على ملامح هذا التاريخ. وفي وقتنا الحاضر تتميز اللوحة الفنية التي تحاكي القضية الفلسطينية بأنها لا تحتاج إلى ترجمة لأن مفرداتها واضحة لا تحتاج إلى تأويل، فالقصائد التشكيلية التي سيخطها هؤلاء الفنانون بريشتهم الحرة التي تعانق الجمال هي الأقدر على تجسيد مأساة مدينة القدس، وآلام الشعب الفلسطيني، وذلك كله بصفاء وجدان حاملي هذه الريشة وبعطاء قلوبهم بعيداً عن أي نزعة إنسانية أو عنصرية
تجسيداً لأهمية قضية القدس في قلوب وعيون الفنانين التشكيليين تقيم مديرية الفنون الجميلة في وزارة الثقافة بالتعاون مع صالة بيت الفن «آرت هاوس»- ضمن احتفالات القدس عاصمة للثقافة العربية 2009 - الملتقى الفني التشكيلي «القدس في عيونهم» الذي يحتضنه مجمع دمر الثقافي بمشاركة ثمانية وعشرين فناناً تشكيلياً ومحاضرين سوريين وعرب وأجانب. ويستمر هذا الملتقى حتى الحادي عشر من كانون الأول الجاري. على هامش الملتقى تحدثت «الوطن» مع عدد من هؤلاء الفنانين وحاولت استقراء وجهات نظرهم حول الملتقى وأعمالهم التي ستنفذ خلاله.
بكفلوني: الفن رسول الجمال
وفي حديث لـ «الوطن» مع «نبال بكفلوني» مديرة مديرية الفنون الجميلة أوضحت أن الاحتفاء بالقدس عاصمة للثقافة العربية يجب أن يأخذ حيزاً عند كل المثقفين العرب من فنانين وأدباء ومفكرين وباحثين، وأن هذا الملتقى يمثل حلقة من سلسلة من الاحتفالات التي تقدمها وزارة الثقافة.
وأضافت بكفلوني إن الفن هو رسول الجمال والفنان رسول هذا الفن والملتقى يجمع رسل الفن من دول مختلفة ليتواصلوا فيما بينهم للنهوض بالفن التشكيلي إلى آفاق أرحب، فالفن كما وصفته بكفلوني هو أجمل مكونات الثقافة. وأوضحت أن عدد الفنانين التشكيليين بلغ ثمانية وعشرين فنانا معظمهم من الدول العربية إضافة إلى مشاركة فنية من الدول الأوروبية مثل النمسا، ألمانيا، بريطانيا، فرنسا، وفنلندا. حيث ستتم إقامة معرض في نهاية الملتقى لعرض الأعمال المنجزة التي ستضم لوحات زيتية ولوحات « الأكريليك».
حمدي: القدس ليست ككل المدن
من جهته الفنان عمر حمدي قال: «إن القدس هي مدينة ليست ككل المدن في العالم فهي تتمتع بخصوصية وتاريخ ومكان وشهدت أحداثاً وصراعات مؤلمة وخاصة في هذه الفترة التي يتم فيها تهويد هذه المدينة العظيمة»، موضحاً أن الرؤية الأساسية للفن هي أن يكون جزءاً من الجوانب التي يجب أن تقف ضد هذا التهويد وهذه الأحداث المؤلمة.
وأكد حمدي أن العمل الذي سيقوم به لن يأخذ جانب الصراع الديني أو السياسي بل الجانب الإنساني والحضاري لهذه المدينة التي كل صخرة وكل ظل وكل حارة فيها تحكي قصتها قصة القدس.
وأضاف حمدي: إن القدس رمز كبير في حياتنا كعرب فقد كبرنا ونحن نراقب مآسي هذه المدينة آملين أن يأتي اليوم الذي يدرك فيه الإنسان أن الحضارة ليست ملكاً للحروب والأسلحة بل ملك للعالم والإنسانية.
الوهيبي: الأعمال تكريم للقدس
وأشار الفنان محمد الوهيبي إلى أن الملتقى جمع العديد من الفنانين من مختلف الدول العربية والأجنبية بهدف «القدس في عيونهم» ليعبروا على طريقتهم عن تضامنهم ومحبتهم لهذه المدينة التي تعد مركزاً كونياً للمحبة، ويقدموا مجموعة من الأعمال الفنية تحت عنوان واحد لكن بتعبيرات مختلفة.
وعن عمله قال الوثيبي إنه أخذ القدس كعالم بقوة جمالية وقوة ذاتية عربية حيث تكون القدس من المدن التي نبتت وستثبت دائماً في وجه الاحتلال.
وأشار الوهيبي إلى أن هذه الأعمال هي تكريم لمحبة القدس وأيضاً لرجوع الحق لأصحابه مؤكداً أن جميع الفنانين نظروا في أعمالهم بكثير من المحبة والتعاطف مع هذه المدينة التي يحاول الصهاينة طمس هويتها العربية.
ياسين: إعطاء القضية حقها
أما الفنانة دعاء ياسين من الكويت فأوضحت أن هذا المهرجان فرصة للفنانين للتعبير عن مشاعرهم تجاه قضية القدس وأن الملتقى عبارة عن ورشة عمل يقوم بها الفنان بتعبير عن أفكاره بالرسم التعبيري سواء في الرسم التجريدي أو التشكيلي فالمهم كما قالت ياسين هو إعطاء القضية حقها من الناحية الفنية.
وعن مشاركتها قالت ياسين إنها تقوم بعمل فكرة بسيطة وتجريدية تصور القدس بشكل كنز وأيادي العرب حولها.
شعلان: قضية القدس شرخ في وجدان العرب
كما عبر الفنان التشكيلي محسن شعلان رئيس قطاع الفنون التشكيلية في وزارة الثقافة في مصر عن سعادته لما تقوم به سورية من فعاليات شديدة الالتصاق بأحداث تمس وجدان المواطن العربي مؤكداً أن القدس هي قضية العرب وأنها شرخ في وجدانهم ومن الجميل أن يأتي هذا الملتقى لإبراز هذا الشرخ وطرح حراك وجداني وثقافي وإبداعي أمام ساحة الفن التشكيلي ليعبر عنها الفنانون من خلال نظرتهم وضمائرهم كحاملين رسالة وأمانة هذه القضية الكبرى وتوصيلها إلى العالم العربي، والعالم من خلال استضافة فنانين أجانب، وكأن الملتقى يسعى للحصول على صوت إنساني بصرف النظر إن كان عربياً أو غربياً.
وعن عمله قال شعلان إنه بدأ بتشكيل فكرة وهي عبارة عن مجموعة من البشر مختبئين خلف سور لا تظهر منهم سوى أعينهم وأصابعهم كأنهم يتشبثون في جدار هش وفي أعينهم الخوف ونظرات محيرة، وعلى رؤوسهم طير صامت. ثم يظهر من بينهم فرد واحد ينهض مثل عملاق والطائر الذي فوق رأسه يغادره وكأنها نبوءة بتحرك قوي للمارد العربي المنتظر ليحرك هذه القضية المؤلفة من اللوحات الزيتية ولوحات «الأكريليك».
جريدة الوطن - لمى طباخة - 2009-12-09