يحيل الفنان التشكيلي نهاد الترك متلقيه إلى حالة مزدوجة من التضاد المعنوي حيث نلحظ دلالات الفرح كالعقد والوردة والهالة البهية المحيطة بشخوصه كما نلحظ التشاؤم الغالب على اللوحة إن من حيث الألوان أو تشويه هذه الشخوص.
ولعل الرابط المشترك بين اللوحات الخمس عشرة التي يعرضها الترك حاليا في غاليري أيام هو التركيز على الكآبة ليستمر بخطه الفني الذي اعتمده منذ البدايات.
إلا أن الترك الذي لم يدرس الفن بصورة أكاديمية إذ إنه بدأه بالتصوير صغيرا كنوع من التحدي يصر على أن خلف هذا القبح والتشويه جمالا عميقا وعشقا للحياة أعمق ويقول لنشرة سانا الثقافية.. إن أي فنان يعيش المرارة لسبب من الأسباب في بداية حياته من الطبيعي أن تجد في أعماله ما يدل على التشاؤم لكن الإنسان محكوم بالأمل وبالتالي فإنه يضع فيها ما يبعث على التفاؤل والأمل.. متمثلا مقولة برناردشو .. رغم كل الانكسارات الموجودة في عين الإنسان إلا أنها تشع ببريق أمل.
ويجد الترك أن هذا الأمل الذي جاء بصيغة ضؤ يمنح الحياة لهذه الشخوص كما يوفر لها مساحة الحرية التي تتيح عملية التأثر والتأثير بالفضاء المفتوح أمامها.

ويكرس الترك تجديده التقني من خلال إصراره على استخدام القلم الجاف بألوان مختلفة أو الرصاص مفضلا ألا تكون عجينة جاهزة على اللوحات التي استخدم فيها إكرليك على قماش معتمدا على الكولاج بشكل بسيط على عكس معارضه السابقة.
ويرى الترك أن فكرة الخير والشر هي المحور الذي تدور حوله مواضيع كل لوحاته ويقول.. إنني أرسم الإنسان بصورته البشعة فيما يشبه كائنا خرافيا أو فضائيا حتى ليغدو الأمر نوعا من الفانتازيا إذ إنه شخص قريب منا ويعيش بيننا مضيفا ان للإنسان حقيقتين إحداهما ظاهرة والأخرى مخفية وهي التي أركز عليها لأظهر بشاعتها وانكسارها وعدم تقبل الآخرين لها.
ولم يبخل الترك بكائنات غريبة تحيط بشخوصه لتتشكل حالة من الحوارية القريبة من الدراما ويقول.. إن هذه الحوارية وجدتها ضرورية خلال إنجاز اللوحة مضيفا ان الحيوان الغريب الذي كان حضوره في أغلب لوحات الطبيعة الصامتة يندرج أيضا في الإطار ذاته كي تضفي حركة وحيوية لعملي الفني .. محاولا إشراك الحيوان في همومه وكآبته من خلال تشويهه وإعطائه البعد الذي يفهمه ويمثله.
ولا يخفي الترك حقيقة أن بعض الشخوص المرسومة هي ذاته ولاسيما التي طوقها بعقد ذي سبع حبات سوداء ويقول.. إن رقم سبعة الذي تكرر في حبات العقد أو أرجل الكائن الأسطوري أو ريشات الطائر الغريب ليس إلا عدد أفراد أسرتي.. مضيفا.. ان الفنان بصورة عامة عندما يرسم فإنه يرسم ذاته لأن علاقة الحب التي تجمعه باللوحة هي التي تظهر خصوصيته بشكل عفوي لكن مع مرور الزمن وعبر التجربة يسعى للتأكيد على هويته وتكريس خصوصيته الفنية.

ومنذ عشر سنوات لجأ الترك إلى لوني الأسود والأحمر لإظهار الجانب المخفي من حقيقة الإنسان إلا أنه وبعد أن اعتمد مبدأ التجريب في مختبره الفني وجد أن هناك الكثير من الألوان التي يمكن لها أن تخدم الحالة التي يركز عليها ويقول.. إنني اكتشفت أن حالة الانكسار والسوداوية يمكن لألوان أخرى كالأخضر المحروق والزيتي والأزرق أن تخدمها وتعطيها بعدا خاصا وجديدا إضافة إلى لوني الأسود والأحمر التي لا يمكن الاستغناء عنهما في مثل هذه الحالات.
يشار إلى أن الفنان نهاد الترك من مواليد حلب 1972 أقام العديد من المعارض الفردية والمشتركة داخل سورية وخارجها ونال خلالها عددا من الجوائز.
باهل قدار - سانا