
معروف عن الكاتب الفرنسي الكبير جان جينيه تأثره العميق بالكاتب «جوهاندو» الذي التقاه وتعرف إليه خلال سجنه،عندما قال له: «إن السجن ليس سجناً بل هو المهرب والحرية؛ ففيه يستطيع الإنسان الهرب من تفاهات الحياة كي يعود إلى جوهرها». وعندما قال جينيه: إنه يتوق إلى الإقلاع عن السرقة وكسب قوته عن طريق التأليف والكتابة، اعترض جوهاندو على ذلك قائلاً: «يا صديقي إنه من المؤكد أنك تمتلك نوعاً من الموهبة في الكتابة، ولكن لا تحاول احترافها وإلا أفسدت كل شيء، وإذا شئت أن تصدقني فينبغي عليك الاستمرار في السرقة.
وصية جوهاندو لزميله الكاتب - السجين تذكرتها وأنا أتجول في الغرفة الصغيرة المخصصة لعرض لوحات وأعمال السجناء في سجن عدرا المركزي بدمشق، الغرفة المحاذية لأحد مداخل السجن المخصص للتفتيش ضمت قسماً من نتاج ورشة العمل التشكيلية التي أقامتها مديرة الفنون الجميلة بوزارة الثقافة بالتعاون مع وزارة الداخلية.
أثناء الحديث مع أعضاء الورشة من السجناء التزمنا توصيات إدارة السجن: لا أحاديث خارج إطار الورشة والفن التشكيلي. كما أن السجناء أيضاً التزموا أمام عناصر الشرطة التي رافقتنا في جولتنا التشكيلية بتعاليم الإدارة ورفضوا الإفصاح عن أسمائهم أو سبب سجنهم، رغم أن كاميرا التلفزيون مرت على وجوه المتدربين وأجرت مع بعضهم لقاءات مقتضبة، رفض البعض التقاط صور لهم، ورحب آخرون، وتردد قسم ثالث متذرعاً بعدم حلاقة الذقن أو الهندام...
فكرة الورشة -حسب السيدة نبال بكفلوني - مديرة الفنون الجميلة بوزارة الثقافة «بدأت منذ أربعة أشهر، حيث كنت أقرأ عن سبل مكافحة الجريمة.. وقلت في نفسي هذه الوسائل هي لمنع الجريمة لكن بعد أن تقع الجريمة ويصبح لدينا سجين يمضي فترة طويلة أو قصيرة ضمن جدران السجن، لماذا لا يتم استثمارها بشكل جيد، فبالتأكيد قسم من السجناء لا يقرأ رغم وجود مكتبة ضخمة في السجن، وقسم آخر يحب القيام بأي نشاط لكي يخرج من أسر المهجع وروتين الحياة في السجن، لذلك خطرت لنا فكرة هذا النشاط...».
وتضيف بكفلوني: «الورشة هي الأولى من نوعها في المنطقة، هي ورشة رسم تفاعلية داخل السجن، بين مجموعة من السجناء ومجموعة من الفنانين التشكيليين...» وتستدرك بكفلوني: «..في بعض البلدان الأخرى أقيمت معارض تشكيلية للسجناء لكن لم تقم ورشات تفاعلية حيث يعيش الفنانين التشكيليين داخل السجن مع السجناء. والآن بعد شهرين تقريباً من العمل، أصبح نتاج الورشة جاهزاً للعرض».
أحد السجناء «كان يعمل في التجارة قبل السجن» رفض ذكر اسمه عبر عن حبه للرسم «من زمان أحب الرسم وجاءت الفرصة من خلال إعلان إدارة السجن عن الورشة التشكيلية..» لكون الرسم ينسيه أنه في السجن «أبتعد عن المحيط وأصبح في عالم ثان. الرسم يربطني بالعالم الخارجي ويشعرني بأني أصنع شيئاً مفيداً...» ويتمنى السجين المشاركة في معرض تشكيلي عندما يخرج...
ولم يبتعد السجين محمد عن مواطنه السابق «كنت أحب الرسم منذ خمس وعشرين سنة.. أنا في الأساس أعمل في تصميم الديكور لكوني درست في معهد والورشة أعادتني إلى ممارسة هوايتي..».
الرسم حسب محمد يخرجه من نفسه ويخفف عنه وطأة السجن ويغير مزاجه. ويكرر محمد المرأة في رسوماته مقترنة بحمامة فـ»المرأة تعبير عن نظرتي للحياة والحمامة تعبر عن السلام والاطمئنان ضمن اللوحة والمرأة - يضيف السجين - ممكن تكون حرب وممكن تكون سلام.. اللوحة الثانية تمثل ميزان العدالة الذي كان مختفياً وراء السور وبعد تكسر السور سما ميزان العدالة إلى الأعلى».
ويبدو محمد ممتناً لوزارة الثقافة فهي تؤمن لهم المواد الأولية والألوان، بينما يصنع السجناء مواد أخرى «نطحن الرز ونضيف له نشاء وبعض المواد...» ويبدو محمد مسروراً فالفن والاستغراق في الرسم ينسيه السجن...
نبال بكفلوني مديرة الفنون الجميلة تحاول من خلال الورشة تغيير الفهم السائد عن المجرم «نحن دائماً نعتقد أن السجين هو إنسان سيء لا يمكن إصلاحه أو ليس عنده أية ميزات إنسانية فنؤطر السجين في إطار الشر المطلق، كل إنسان يخلق على الفطرة وفيما بعد تكون عنده نوازع خير ونوازع شر لكن ظروف الحياة والمجتمع والبيئة المحيطة «الفقر الجهل التخلف ..» قد تودي به إلى الإجرام. فلو وضعنا في نفس الظروف فربما كنا ارتكبنا نفس الجرم».
السجين بشير كان يهوى الرسم من الصغر «كنت أرسم وأنا صغير وانقطعت فترة طويلة، والورشة شجعتني على العودة إلى الرسم...». أيضا تتكرر المرأة في لوحات بشير «المرأة تعني لي الحنان والحلم».
درس بشير حتى المرحلة الإعدادية فقط: «كنت في المدرسة أعلم زملائي الرسم حين كان يغيب أستاذ الرسم. أتمنى الاستمرار بالرسم بعد انتهاء الورشة فعندما أرسم أنفصل عن عالم السجن وأندمج تماماً في لوحتي وألواني».
بسام يميل للعمل الحرفي اليدوي «هنا تعلمت مهنة النحاس وهي مهنة جميلة ومفيدة وهي في النهاية مصلحة ويمكن بيع الأعمال هنا في السجن أو إرسالها إلى الأهل. أكتب آيات قرآنية بالنحاس على الخشب..». درس بسام حتى الثانوية والورشة أخرجته من عالم المهجع ومن الملل.
بسام حبيب السجين المميز لا يخفي تفاؤله وحبه للحياة: «وصلت للصف التاسع ومنذ تركت المدرسة لم أرسم حتى قيام هذه الورشة في السجن.. بالأساس أنا متابع للصحف والمجلات والكتب ولدي اطلاع ممتاز في الثقافة العامة».
نتوقف عند لوحة الوقت فيقول «لوحة الوقت تعبر عن انتظار من أحب خروجي من السجن. ألواني فاتحة وليست قاتمة فأنا أحب الفرح فليس هناك أجمل من الفرح.
اللوحة الثانية هي عبارة عن أسطورة قديمة تقول إن الكرة الأرضية تقف على قرنين وعبرت عن هذه الأسطورة بالرسم وجسدت الكرة الأرضية بامرأة».
وعن حنينه للمرأة المتجلي في رسوماته يقول: «المرأة هي الدنيا كلها».
لكن هل كان الإقبال على الورشة كبيراً؟ تقول بكفلوني: «في الفترة الأولى كان الإقبال على الورشة ضعيفاً حيث تقدم ستة أو سبعة أشخاص في البداية، ثم زاد العدد، البعض اشترك في الورشة فقط ليخرج من المهجع والجناح، لكن الآخرين أحبوا العمل في الورشة ولديهم موهبة حقيقية؛ فقد زاد العدد بالتدريج والتزم معنا ثلاثون شخصاً، أعتبر أغلبهم يملك موهبة؛ وقسم منهم لديهم حب للفن التطبيقي الحرفي كالرسم بالنحاس والخشبيات وهذا الأمر يحتاج لمهارة يدوية، ومنهم من لديه إبداع يجب تسليط الضوء عليه. مثلاً بسام حبيب برأيي شخص مبدع. وهناك شخص آخر قاتل لثلاثة أشخاص رسم لوحات رائعة، كلوحة السجين ولوحة المرأة. وبسام مثلا يرسم بأسلوب سريالي متميز».
وعن تجربة الورشة وإمكانية تعميمها واستمرارها تقول بكفلوني: «لا بد من الحصول على موافقات لقيام أي نشاط. وفي آخر لقاء مع السيد وزير الداخلية، قال إنه سيعمم هذه التجربة على باقي السجون، وهي فكرة ممتازة وإنجاز كبير لوزارة الثقافة والداخلية معاً.
ألح السجناء على استمرار هذه الورشة، وتمنوا ألا تكون هبة..
قال أحد السجناء لمديرة الفنون: «لا أشعر أنني سجين عندما تأتون إلى هنا».
وبرأي بكفلوني فإن هذا الأمر من أهم النتائج في الورشة، فنحن من خلال الورشة أخرجنا البعض من السجن وهم داخل جدرانه. أنا لا أسأل عن ماضي السجين وماذا فعل.. يهمني العمل الفني الذي قدمه والمعنى الإنساني فيه.
ونسأل هل ستتم متابعتهم بعد خروجهم؟ تجيب نبال: إنشاء الله سنتابعهم وسنكمل التجربة معهم.
وهل ستقيمون ورشة مشابهة في سجن الأحداث؟ تقول: نعم سنعمم التجربة وأتمنى أن تمتد للمرضى النفسيين والمشافي.
ورغم أهمية الورشة وكشفها عن مواهب عديدة مخبأة خلف هذه الوجوه القاسية وربط السجين بالحياة مجدداً، إلا أنها حسب المشرف نسيم الياس «لم تجعلنا نغوص إلى أعماق المشاركين، فالمدة القصيرة نسبياً للورشة والإجراءات والخوف أدت إلى أن نبقى على السطح، فبقيت علاقتنا بالسجناء خارجية.
أقول لنسيم: ربما لو رأى المسؤولين في وزارة الداخلية ووزارة الثقافة فيلم «12 لبناني غاضب» للمخرجة اللبنانية زينة دكاش لكانت نظرتهم تغيرت كثيراً؛ حيث أمضت زينة أكثر من سنة ونصف في سجن رومية الشهير لتخرج بعرض مسرحي كان ممثلوه من السجناء الموهوبين.
ورشة الفن التشكيلي في سجن عدرا أقيمت بالتعاون بين وزارتي الثقافة والداخلية، وأشرف عليها السيدة نبال بكفلوني والفنانون عمر النمر، ونسيم الياس، وفرح الشيخ، ورزان عرب، ود. غسان السباعي.
احمد خليل - جريدة الثورة -- 25 - 5 - 2010