
تشكل ورشة العمل الفنية التفاعلية التي تنظمها وزارتا الداخلية والثقافة ممثلة بمديرية الفنون الجميلة في سجن دمشق المركزي بعدرا حالياً للسجناء الموهوبين فنياً بإدرة ثقافية وإنسانية لها دورها الفاعل في تنمية مهاراتهم وإبراز إبداعاتهم الفنية وتوجيههم لاستثمار وقتهم وطاقاتهم في أعمال تعود بالفائدة عليهم وعلى مجتمعهم.وتشمل الفعاليات الفنية للورشة مختلف الأشغال الفنية من رسم ونحت ومشغولات يدوية وتطبيقية بإشراف عدد من الفنانين التشكيليين منهم عمر النمر,غسان سباعي ,هنادي إبراهيم, صباح الحديدي، نسيم الياس، ريزان عرب، فرح الشيخ، محمد عبيدو، ممن يقومون بتدريب وصقل مواهب نحو خمسين سجيناً.
وقالت نبال بكفلوني مديرة الفنون الجميلة لوكالة سانا.. تهدف الورشة لمساعدة السجناء في استثمار وقتهم وتوجيههم في إنتاج أعمال فنية تخدمهم مستقبلاً عند خروجهم من السجن تساعدهم على الابتعاد عن التفكير السلبي وتسهم في بلورة وعيهم بالفن والثقافة وتجسيد قيم الخير التي يتضمنها العمل الفني.
ولعل النتائج الإيجابية لهذه الورشة فتحت الباب لمواصلة هذه التجربة في محافظات أخرى حيث تعتبر بكفلوني أن وزارتي الداخلية والثقافة ومن خلال تنسيقهما وتعاونهما المشترك بهذه التجربة الرائدة تعملان على تأهيل السجين وتقديمه إنساناً مفيداً لمجتمعه ومن هذا المنطلق جاء التفكير بهذا المشروع وضرورة إلحاق السجناء بدورات لتعليمهم الفنون التشكيلية والرسم ليستثمروا وقتهم خير استثمار خاصة أن السجين بحاجة إلى لمسة إنسانية تنسيه مرارة اللحظات التي يمضيها خلف القضبان وتقدم له خدمة ليخرج إلى المجتمع فرداً صالحاً يتقن عملاً شريفاً يكسب به لقمة عيشه.
وترافق فعاليات الورشة ندوة تثقيفية ومعرض للأعمال المنجزة من المقرر أن يقام في الثامن والعشرين من الشهر الجاري فضلاً عن طباعة كتيب عن الورشة يحتوي على أعمال المشاركين وأسمائهم.
من جهته العميد قال نبيل الغجري مدير سجن دمشق المركزي.. إن الغاية من هذا البرنامج جعل السجين يشعر بإنسانيته من خلال وجودنا معه وإلى جانبه في استثمار طاقاته بمجالات تعود بالفائدة عليه وعلى مجتمعه مضيفاً إننا نحرص على التنسيق والتعاون مع الفنانين المشرفين على هذه الورشة عبر توفير كافة الاحتياجات اللازمة لتنمية الحس والذوق الفني لدى السجناء الذين تتوفر فيهم المواهب الإبداعية.
وأوضح الغجري أننا نسعى ونعمل على جعل السجن مركز إصلاح وتهيئة لحياة ناجحة بدلاً من مركز حجز وهذا يترك أثراً وانطباعاً إيجابياً لدى هؤلاء السجناء وحافزاً لهم لاستثمار قدراتهم ومواهبهم في أشياء تعود بالفائدة عليهم.
من جهته أوضح الفنان التشكيلي عمر النمر أحد الفنانين المشرفين على الورشة أنه تم تزويد السجناء المشاركين بمراجع فنية لتغذية ذاكرتهم البصرية وتحريض عنصر التخيل عندهم للوصول إلى حالة إبداعية تسهم في تفجير طاقاتهم الفنية ولاسيما أن الدخول في عالم اللوحة يشكل عالماً واسعاً من الفن والإحساس المرهف لتجسيد وتكريس ما تحمله من قيم الخير والعطاء على أرض الواقع وبمختلف مجالات الحياة.
وقال النمر: هذه التجربة تحاكي جانباً إنسانياً مهماً فدخلنا كمشرفين إلى جدران السجن لنلتقي بأناس لديهم هواية ووقت طويل يقضونه بالتفكير والهموم والمشاكل وعندما طرحنا عليهم ورشة العمل هذه كانت دهشتنا كبيرة من ترحيبهم وتفاعلهم الإيجابي فالعمل الذي كنت أضع له مدة أسبوع لإنجازه كان ينجز من قبلهم بيوم واحد وهذا يدل على الطاقة الكبيرة التي يمتلكونها إضافة إلى محبتهم لفكرة الورشة حيث كنا نجد تلهفهم وانتظارهم مجيئنا في كل زيارة نقوم بها.
وأضاف ..أن ورشة العمل هذه أدت إلى معنى إنساني جميل وأدخلت جانباً هاما فالتعامل مع اللون الذي هو يعد بحد ذاته نوعا من أنواع العلاج النفسي الذي يستخدم في العديد من دول العالم لمعالجة الاكتئاب وعدم التوازن مشيراً إلى أن السجين بحاجة إلى هذا النوع من التعامل فهذه الورشة أتاحت له إمكانية التعامل مع الألوان المشرقة وهذا بحد ذاته يخلق لديه نوعاً من التوازن والتفريغ من التوتر الداخلي لديه.
ورأى النمر أن برنامج العمل على تأهيل السجين وعودته للحياة الطبيعية يجب أن يشمل شقين أساسيين أحدهما فني من خلال إقامة ورشات العمل التدريبية المتنوعة ونفسي عبر اعتماد وتطبيق برامج تطوير شخصية للسجين عبر تعليمه كيفية وضع الأهداف وإدارة الوقت داخل السجن وخارجها وفن التواصل مع الآخرين وحل المشكلات وتنظيم وفهم الذات وإدارة المشاعر وضبط الغضب.
فيما اعتبر الفنان غسان سباعي هذا النشاط إيجابياً ومهماً وقال..إن هذه الورشة قدمت للسجناء الفرصة ليعبروا عن أنفسهم وليفرغوا طاقاتهم بطرق فنية وهذا يساعد على كسر روتين الحياة التي يعيشونها عبر ملء وقتهم الطويل واستثماره بأشياء مفيدة بدل استثماره في التفكير العبثي.
وأضاف.. إننا نعمل على تدريب السجناء على الرسم واستخدام الألوان والتعبير بواسطة الشكل واللون وهم يتجاوبون ويطلبون المزيد وبعد أن لمسنا لديهم رغبة في التعلم اتفقت مع زملائي الفنانين على تقديم كل ما هو ممكن لزيادة معرفتهم وتوجيههم بشكل صحيح لتمكينهم من إنتاج أعمال فنية جيدة.
وفي حوار مع السجناء المشاركين في الورشة أبدى الكثير منهم شغفه في الوصول إلى صياغة عمل تشكيلي صحيح ولاسيما أن بعضهم استقى من الحرية موضوع لوحته وبعضهم الآخر رأى في السفينة انطلاقة جديدة لحياة مستقبلية قريبة في الوقت الذي شكلت الأسطورة موضوعاً خاصاً لدى مشاركين آخرين.
وقال السجين بشير ح .. رسمت لوحة سميتها السجين وأخرى سميتها الحنان وهذه التجربة قدمت لنا الراحة والدعم المعنوي فالرسم ساعدني على تفريغ ما في داخلي وعلى التعبير عن أشياء أشعر بها والتي لا أستطيع التعبير عنها بالكلام مشيراً إلى أنني أدركت في هذه الورشة أهمية أن يعرف الإنسان ما يملك من إبداعات داخلية بعيدا عن الجريمة وارتكاب الخطأ.
وأضاف.. عندما أرسم أشعر كأنني أبذر حقلاً لأنني أصبحت أفكر أفضل بمرحلة ما بعد خروجي من السجن وكيفية انتقالي لحياة جديدة أمارس وأتذوق خلالها الفن الذي أحبه في فضاء واسع يتيح لي التعبير عما بداخلي كإنسان طبيعي سوي.
بدوره قال السجين زهير ك أصنع قطعاً متنوعة الأشكال مستخدماً الصدف والنحاس ونواة التمر وهذا الورشة جعلتني أشعر أنني لست في سجن بل في مركز إصلاح وتأهيل وكذلك جعلتني أشعر أني موجود وأشعر أن لدي شيئاً أقوم به وهذا العمل هون علينا كثيراً وأتمنى أن تكون هذه الورشة دائمة مشيراً إلى أنه يشارك فيها بنحو ستة عشر عملاً منها سيوف كبيرة وصغيرة من الخشب والصدف مع قواعدها وصندوق صدف وغيرها من الأعمال.
فيما قال السجين عماد ش الذي بدت المهارة واضحة على لوحاته النحاسية..الورشة ملأت وقتنا الذي لا نملك غيره وإدارة السجن والمشرفون على الورشة جعلونا نشعر أننا لسنا مساجين بل أناس موجودون وهناك من يفكر بهم ويهتم لأمرهم وهذه التجربة المهمة جعلتني أشعر بوجودي وأني أقدم شيئاً مهما كان بسيطاً.
أما السجين بسام ح فقال.. إن الورشة تجعلنا ننسى همومنا ومشاكلنا كما أنها تنمي لدينا روح المشاركة والتعاون والتنافس الشريف فكل منا يريد أن يعمل أفضل من الآخر وهذا حسن عملنا وطوره مضيفاً أن أهم ما نشعر به من خلال هذه الخطوة أننا لمسنا الرعاية والاهتمام بنا وهذا ما أعطانا فسحة كبيرة من الأمل والتفاؤل بالحياة خاصة عند خروجنا من السجن.
واستطاع بسام أن يعبر عن رغبته بالخروج من العيش والعمل الشريف من خلال لوحة رسمها تعطي هذا الانطباع إضافة إلى أعمال يدوية أخرى مشغولة بالصدف وبذور التمر والبن المطحون ومادة الصمغ واللكر.
بدوره السجين ز. و قال.. أعمل على إنجاز لوحتين نفذت الأولى بالألوان الزيتية والثانية بالفحم مضيفاً ان هذه الورشة أعادت ذكريات الماضي حيث مارست في السابق هواية الرسم ولم تتخذ هذه التجربة خطاً احترافياً لولا مساعدة الفنانين الذين يشرفون على إعطائنا بعض الملاحظات في العمل التشكيلي.
وأوضح أنه بعد أن أعلنت إدارة السجن عن الورشة عبر إذاعة السجن بادر مباشرة إلى تسجيل اسمه مبرراً ذلك بقوله.. لأنه سبق لي أن عملت في مجال الديكور الداخلي وخاصة في رسم الزخارف الفنية ضمن تشكيلات الديكور المنزلي.
فيما قال السجين أنس. ج .. في السجن فنانون حقيقيون وبالطبع ليس كل من دخل السجن هو مجرم فهناك أشخاص موجودون في السجن ارتكبوا حوادث سير مضيفاً.. أستطيع القول بكل صدق أنني في هذه الورشة تحولت من سجين إلى رجل حر فقد فتحت لي هذه الورشة باباً من الحرية لم أكن أتصوره ولاسيما بعدما لمسناه من اهتمام ورعاية ومعاملة جيدة فتغيرت نظرتنا لأنفسنا ولحياتنا وأدركنا أن الآخرين يمكن أن يعاملونا على أننا أناس طبيعيون وليس سجناء أو مجرمين فقد أصبح لي هدف أسعى إليه أن أرسم وألون وأصوغ العالم الذي أريد، لذا أرجو من كل قلبي وأتمنى أن تستمر هذه الورشة وتعمم هذه التجربة على باقي السجون في المحافظات الأخرى لما لها من أهمية كبيرة على نفسية وحياة السجين.
وأضاف.. استعنت في بعض أعمالي بالأساطير كالأسطورة القديمة التي تقول إن الدنيا تقف على قرني ثور وبناء على ذلك أنجزنا العمل الذي جسدنا من خلاله هذه المقولة، فكانت المرأة في كثير من الاحيان رمزاً للدنيا بما تحتويه من خير وشر.
فيما قال أحد السجناء الذي رفض كتابة اسمه ولو بالترميز مخاطباً إيانا والفنانين الموجودين.. يجب عليكم أن تولوا الاهتمام في المرات القادمة بفن الخط العربي ليعود مسرعاً للعمل في لوحته التي شكل من خلالها عملا رائعا قوامها الحروف العربية.
علي عباس ـ باهل قدار - سانا