|
د.نهلة عيسى جريدة تشرين:
أبرز صفات الإنسان هي قدرته على التعبير عن آماله ومخاوفه بكل وسائل تفسير الذات من كلمة ونغمة وحركة وتشكيل, وهو تعبير لطالما جسّد مدى قدرة الفرد على التفاعل مع بيئته, وأيضاً قدرته على تذوق الوحدة والتناغم بين مجموعة من العلاقات الشكلية من بين الأشياء التي تدركها حواسه.وهو الإدراك الذي يقودنا دوماً إلى تصنيف جميع الأشياء التي نتعامل معها حسياً في خانة الجمال أو القبح, أو بتعبير أدق في خانة الفن أو الفوضى, وهو ما يعني أن الخبرة الإنسانية بأسرها هي موضوع الفن, وهي مسرحه ومادته, وهي أيضاً تأكيد على أن الفن الحقيقي ليس هروباً من الواقع وإنما هو التحام به ليس بقصد محاكاته وإنما استلهامه لإبداع جديد. وهو معنى تلمسته واقعاً في معرض الفنان د. عبد الله أسعد المقام حالياً في صالة نقابة الفنون الجميلة في مدينة حلب, وسينتقل لاحقاً إلى جامعة القلمون بعالمه الإبداعي الذي يتلمس مكانه الخاص في واقعنا التشكيلي عبر توغله برسومه المائية إلى أعماق الحياة خارج فوضى الطبيعة, ليقتطع جزءاً من الواقع يعرضه في لوحاته بشكل يتيح لنا رؤية المعنى الكامن فيه, وهو واقع عادة لا يلفت انتباهنا, رغم وجوده أمامنا لعاديته ومألوفيته لنا, إلا أن عزله ووضعه ضمن إطار فني عبر ريشة فنان متمكن مثل عبد الله أسعد حوّل الطبيعة إلى فن متفرد يحمل تفسيراً إنسانياً للمكان.
إن تجزئة المكان وتأطيره في لوحات عبد الله لا يقتصر على إتاحة الفرصة له لانتقاء الأفضل ليلفت انتباهنا إليه, بل يمكن القول إن الفنان استخدمه أيضاً للحصول على مؤثرات درامية فعّالة في تباينها وأحياناً أخرى في تشابهها, وذلك للتبديل على أن البشر الذين يعيشون داخل أسوار المدينة القديمة أو خارجها, هم في الحقيقة يعيدون إنتاج الماضي بكل عظمته وجماله عبر ممارسة حياتهم اليومية العادية, وفي إطار بحثهم عن لقمة العيش دون معرفة بأن ما يفعلونه جميلٌ ومهمٌ بحد ذاته. والمتابع لأعمال عبد الله أسعد يعرف أن تأطير المكان واحد من خصائص أسلوبه الفني, وهو أسلوب مؤثر لأنه ينقل محور الأحداث والرؤية «عن عمد» من حالة الشمولية إلى الخصوصية, والغوص في التفاصيل الصغيرة للمكان ولحركة البشر فيه عبر الاعتماد على الإيماء بعيداً عن المحاكاة الفجة للواقع.
والحقيقة أن عبد الله تجنب تماماً تقديم البيئة في تفاصيلها الخارجية وكأنها موضوع معزول, بل غمس ريشته داخل العالم الحقيقي, ولم يبتعد خارجه مطلقاً حتى إننا لم نشاهد حتى إطاره, بل عمد إلى تقطيع هذا العالم إلى أجزاء من لوحات أعيدت صياغتها لتعطي تأثيراً جديداً وفق قواعد مرنة للتكوين الفني, ورغم صعوبة تنفيذ ذلك نتيجة تعقد عوامل الكتل, والضوء, والظل, والعمق في حالة الحركة والإبداع في مكان طبيعي لا محدود.
إلا أن عبد الله أسعد لا يقدم في لوحاته مجرد تكوينات في الجمال الشكلي, بل يقدم عالماً من الصور ذات العلاقة المتبادلة فيما بينها, من حيث التكوين والتعبير, نشعر عندما نشاهدها بإيقاع بصري مستقل نوعاً ما عن المعنى, والدراما والمحتوى الانفعالي, ولو أنه كامن بها يمنحنا إشباعاً جمالياً يصل إلى درجة من العمق والشجن, مثل الأماكن الرائعة التي يجسدها عبر ريشته في علاقة جدلية ذات صيغة زمنية تصل الماضي بالحاضر في طابع شعري ذهني يشبه القصيدة التي تخترق الأحاسيس تدريجياً لتخلق حالة من المشاركة العاطفية مع ما نراه في اللوحة. عبد الله أسعد فنان لا ينفي انحيازه للإنسان والمكان في كل أعماله, وهو يؤكد ذلك في معرضه هذا في أسلوب رمزي يتكئ على الواقع, ومن ثم يتجاوزه ليضيف إليه معاني جديدة ما كان يمكن الوصول إليها, لولا الهروب من قيود الطبيعة والواقع في تفاصيلهما المحددة جداً والصارمة, ليقدم بشراً وأماكن نراهم دائماً ولكننا لا نحسهم, ولكن عبر اللوحات نحسهم ونصدقهم, ونتفاعل معهم حسياً وذهنياً وفق معايير قائمة بذاتها تنتمي إلى فئة مستقلة من الواقع, ومن الفن المبدع ضمن شروط واقعية العالم المادي المبني على التجربة الإنسانية.
لوحات عبد الله أسعد تؤكد مقولة السير جوشوار ينولدز عن أن من لا يعبّر عن كل الجزئيات لا يعبّر عن شيء, وذلك لأنها لوحات متفردة إلى حد كبير وتتميز كل منها عن الأخرى رغم وحدة الموضوع الفني, إلا أنها كما أرى تجسيد حي للنزعة الانطباعية في الفن, في انفصالها رغم ارتباطها عن موضوعات التجربة الحياتية المعتادة والالتفات إلى تأثير اللون والضوء والظل في موضوع تجربته البصرية ما منحها قدرة تعبيرية هائلة مستمدة من التنظيم الشكلي لعناصر اللوحة من خط وكتلة ومسطح ولون بغض النظر عن أهمية موضوع التصوير الذي يبدو لدى عبد الله مجرد حجة من أجل الرسم، كما كان يقول الفنان الشهير (ديجا), وهي حجة نرجو أن يلجأ إليها دوماً لتبرير إبداعه, رغم عدم حاجته إلى تبرير، لأننا نفهمه.
|