

رغم أن الفكرة انطلقت من طوكيو عام 2003، إلا أنها وصلت إلى نحو 280 مدينة عالمية تحتضن هذا الملتقى الذي يهدف إلى تسليط الضوء على إبداعات من اختصاصات مختلفة كالتصميم وفنون الفيديو والتشكيل وذلك من أجل التعريف بها مباشرة من قبل أصحابها أمام الجمهور.
الكلمة اليابانية (بيتشا كوتشا) تعني (المحادثة) وهي تشير إلى التواصل بين مبتكري الأفكار والجمهور حيث يحدد لكل مصمم عشرين صورة يشرح كل واحدة منها بعشرين ثانية، على أن يشارك في كل ملتقى نحو اثني عشر مصمماً في مختلف الاختصاصات.
في هذا الإطار تأتي أهمية إقامة لقاء (البيتشا كوتشا) لأول مرة في صالة تجليات بدمشق، ليس بهدف متابعة الأفكار التي وضعها شباب لم يجدوا فرصة لإشهارها بالشكل المطلوب، إنما في أهمية الإطلالة العالمية أيضاً على اعتبار أن اللقاء أصبح بمثابة مرجعية للمصممين العالميين الذين يتابعونه في كل المدن التي يقام فيها.. وربما من الأشياء اللافتة أيضاً في لقاء دمشق، قيام موقع اكتشف سورية ببثه بشكل حي ومباشر على شبكة النت.
بغض النظر عن طبيعة الأعمال المشاركة في ملتقيات كهذه، فإن فكرة عرض الأعمال على الجمهور من قبل أصحابها مباشرة، يبدو صحياً بالفعل، سواء تناولت التصاميم فنون التصوير والفيديو أوعروض الأزياء وتصميم مواقع الانترنت والاختراعات الصناعية للآلات، أم سوى ذلك من اجتهادات يحاول أصحابها أن تكون خلاقة ومفيدة في الوقت نفسه.. فالواضح أن العديد من الفنون الحديثة التي رافقت عملية التطور التكنولوجي تحتاج إلى منبر أو إطلالة يمكنها أن تجمع عدة فنون في اختصاصات مختلفة، وربما تكون هذه الميزة من الأشياء الهامة في (البيتشا كوتشا) خاصة أن اللقاء جمع كما أسلفنا العديد من الأفكار والسويات التي تراوحت بين الأفكار الجميلة التي تستحق الوقوف، أو العادية التي لا تضيف شيئاً، فالمسألة في نهاية الأمر تتعلق بالإشهار والحوار وهي ضرورية بالنسبة للشباب من أجل إنضاج أفكارهم وإعادة البحث عن الجديد.
في كل الأحوال تبدو الإطلالة على هذا النوع من اللقاءات ضرورية خصوصاً من جهة المواكبة لما يحدث على ساحة الأفكار المختلفة، وأيضاً من ناحية التواصل العالمي مع الملتقيات الأخرى التي تطرح بدورها العديد من الابتكارات على اعتبار أن عدد المدن المشاركة وصل إلى مئتين وثمانين مدينة.
شارك في (بيتشا كوتشا) دمشق، اثنا عشر فناناً تراوحت أعمالهم بين التركيب الفني والأفلام الوثائقية وأفكار لها علاقة بالمهن مثل طب الأسنان، وكذلك الغرافيك والكولاج.. ففي حين قدمت الأردنية نهلة الطباع نماذج من التركيب الفني التي تستخدم فيها أدوات مختلفة وبسيطة، عرضت مي ضومط أعمالاً غرافيكية وتصاميم مختلفة، كما قدم لجين جباوي وهو طبيب أسنان عدة أعمال وأفكار بمثابة مشروع فني تحمل عنوان (دنتل آرت)، أما سامر يماني وهو مهندس ديكور فقدم عدة أفكار حول الاقتصاد الإبداعي في الديكور، أما خالد صدقي فعرض تجربة حركة (مقاطعات) الأردنية في العروض التشكيلية، وتناولت رزان صباغ عروض الأزياء من خلال كولاجات تلقي الضوء على سلبيات العروض مع اقتراحات تركز على الجمال الطبيعي، كما قدم إيهاب عمرو تصميماً لسيارة كهربائية تعمل بالطاقة الشمسية، وبينو ميشويان عرض تصاميم لمواقع إلكترونية وملصقات، أما سؤدد كنعان وتعمل مخرجة أفلام وثائقية فعرضت لقطات من صدى أعمالها الوثائقية..
رغم التباين في أهمية الأفكار المشاركة وتقنياتها التنفيذية أو في اهتماماتها، إلا أن احتضان دمشق لهذا الملتقى الخاص بالشباب دون الثلاثين، يعد حدثاً هاماً بالنسبة للكثير من أصحاب الأفكار الذين يعملون في حقول مختلفة، فالإطلالة العالمية لتلك الأعمال وإمكانية الاطلاع على تجارب الآخرين في البلدان المختلفة، سيشكل حافزاً كي يبحث الفنانون الشباب عن أدوات وأساليب مبتكرة لتنفيذ أفكارهم، وهو ما تسميه مديرة تجليات ميساء شهاب جزءاً من مشروع الصالة في إلقاء الضوء على إبداعات الشباب ومواكبة كل جديد. واستناداً إلى ذلك يبدو من الطبيعي أن تجمتع فنون التشكيل والأفلام الوثائقية مع الأزياء والتصميم واختراع الآلات الحديثة والديكور، لأن الملتقى يركز على الأفكار التي بإمكانها أن تضيف شيئاً على صعيد أي فن من الفنون.. فتركيز المشاركات على اللون والصورة ومحاولة اقتراح أمكنة غريبة لمعارض التشكيل، إضافة إلى تقديم الأشياء أو المهن التي لا تحظى بانطباع جميل عند الكثيرين بشكل فني يمكن أن يساعد في تسهيل التعامل معها.. كل ذلك يشكل عاملاً كبيراً في إدخال الفن حتى في الأشياء التي تبدو بعيدة جداً عنه، فيما يشبه عملية أنسنة كبيرة للأدوات والأمكنة بهدف الارتقاء بالذائقة وإعادة الاكتشاف لدى الجمهور.
زيد القطريب - جريدة تشرين - 10 / 4 / 2010