
يكشف معرض الفنان أحمد الصوفي في صالة النهر الخالد بمدينة حمص، عن شغفه البالغ بالعجائن اللونية السميكة،التي يؤكد من خلالها أهمية البحث التقني للحداثة التشكيلية وحيويتها النابعة في لوحاته (قياسات كبيرة ومتوسطة) من لغة التخيل والحلم والباحثة عن إشارات تعبيرية شبيهة بألواح أثرية قادمة من عمق الأزمنة المنسية، حيث الرؤية الفنية هنا تزاوج بين ينابيع الحضارات الأولى ومعطيات الحداثة بإشاراتها الملتبسة وبصراعاتها الحادة بين الواقعية والتجريد.
تحريف وتحوير
ففي تطلعاته التشكيلية يمتلك الصوفي لغة الحوار بين التقنية وهاجس البحث التشكيلي القادر على تحريف وتحوير العناصر والأشكال الإنسانية ضمن فضاءات هندسية تلتف أحياناً بحركات دائرية ونصف دائرية، وتأخذ في أحيان كثيرة أشكال المربعات والمستطيلات والتتابع الشطرنجي الذي يحتضن الأشكال والعناصر والرموز والإشارات الحضارية ويبرزها كإيقاعات معبرة عن عمق ومعطيات الأزمنة القديمة والحديثة معاً.إنه التشكيل الحديث الآتي من عمق الأزمنة المنسية، أي من بقايا أشلاء الآثار القديمة بلغتها البدائية المتجهة نحو صياغة تعبيرية وتقنية أكثر طموحاً إلى تأسيس أسلوب فني يترسخ بين لوحة وأخرى.وهو يعالج الأشكال ويقوم بتحويرها وتحويلها إلى مجرد لطخات لونية مبسطة وناتئة، تدخله في مغامرات تشكيلية، تؤدي في النهاية إلى إضفاء مناخية بصرية وتقنية معاصرة لا تلتزم الضرورات الجمالية التقليدية، بقدر ما تلتزم الضرورات التعبيرية والجمالية والذاتية الحديثة والمعاصرة.
تضاريس لونية
هكذا تتحول اللوحة إلى سطوح تضاريسية تذهب إلى ترجمة انفعالاته الداخلية وإضفاء الذات الفنية في تحريك المشهد، إن لجهة معالجة حركة الأشخاص وتبسيط العناصر والرموز أو لجهة إضفاء التتابع البانورامي الهندسي أحياناً ومعالجة العجائن اللونية بدرجات مختلفة من السماكة أو الكثافة وإبراز علاقاتها التأليفية الداخلية مع الأخذ بعين الاعتبار توازنات الحركات والضربات والمساحات، الشيء الذي يحد من انجرافه نحو المغامرة اللونية الزائدة التي تخرج من الداخل وتمتد إلى الخارج، فتصبح مشحونة بالقلق والتوتر والاضطراب الموجود في عالم اليوم.وعلى هذا الأساس فهو يعمل على تقديم وجوه إنسانية تحمل أسلبة واضحة مشدودة إلى واقع مأساوي، وهذه العلاقة المشحونة بالمعاناة الانسانية والراهن تتحول إلى علاقات لونية وأشكال ورموز تعبيرية ترتقي إلى عوالم مفتوحة على الجو الحركي والإيقاعي داخل المساحة المرسومة في حالات انفعالية تعكس التوترات الخفية والعلنية للعجائن اللونية بانسجامها وتناقضها.
اديب مخزوم - الثورة - 24 - 3 - 2010