هل يمكن أن يكون اللون فقط مع الحامل الذي عليه أن يُشكل جماليات صرفة، دون أن تخطر ببالنا أية إسقاطات، أو دلالات، أو أي شيء مجسد، وإنما اللوحة المستقلة بذاتها بما توفره من جماليات..؟! ذلك مااشتغل عليه لسنين طويلة الفنان التشكيلي الفرنسي كولد فيالا، وكان له معادل على الطرف العربي، هو الفنان التشكيلي السوري مصطفى فتحي، لكن فيالا يأخذ على فتحي بأنه جعل للوحته أبعاداً، ولم يترك الحامل حراً كما وجده، وبتقديره، فإن من وضع هذه الحوامل لأعمال فتحي ربما تكون الغاليري، أو ورثته من بعده، ذلك انه عندما زاره في أكثر من مناسبة لم يكن فتحي يضع اللوحة ضمن أبعاد.. كلود فيالا مؤسس للحركة الفنية (حوامل ومساحات) منذ السبعينيات، عن فلسفة هذه المساحات اللونية، وحواملها، كان هذا الحوار مع فيالا على هامش معرضه في المركز الثقافي الفرنسي بدمشق مؤخراً، فإلى التفاصيل:
(فيالا مصور لايخلق سوى تصوير خالص: تبادل ألوان وأشكال مع بنية الأداة، تصوير قادر على الوجود خارج أية صورة رمزية، أو ذات معنى.. يذكر جان لويس ماركوس)
مساحات وحوامل فقط، هل هذا يكفي اللوحة التشكيلية ؟
اللون في لوحتي لايأتي رمزياً، أي ليس له دلالة رمزية، أو تحليلية، بل هو إحدى العلامات التي توضع على الحامل، والأخير مهم جداً بالنسبة لي، شكل الحامل، المادة المصنوع منها،الثقوب التي بالحامل، الملاقط، وشكل الخياطات، الإطارات التي في القماش، أو ماينتهي بها، يُضاف إلى كل تلك العناصر الأخرى التي تكون من متممات العمل الفني.. من هذا المنظار، فهذا كافٍ للوحة التي اشتغل عليها..
وما هذه اللوحة التي تشتغل عليها..؟
طريقة عملي تقوم على وضع الحامل على الأرض، ثمّ أضع اللون على القماش، مهما كان نوعه، وأتعامل تشكيلياً حسب ما يفرضه شكل الحامل من نوعية وقياسات، وبعد ذلك أقوم بطباعة علامتي الفنية، ومن ثمّ أصل إلى النتيجة المحتملة التي يعطيها القماش بعد ذلك، فالقماش بحسب لونه يتشرب الألوان التي أضيفها، والتي تكون بألوان مغايرة عن لون القماش، وأنا أقبل النتائج أياً كانت..!
ودائما تُرضيك النتائج..؟
أمشي على القماش، وأنا أرسم، ولا أشعر إلا وأنا خارج القماش، ورغم كل العواطف والمشاعر التي تنتابني أقبل بالنتيجة، كما ذكرت أياً كانت، وأؤكد لك أنني لم أتلف لوحة، أو أرمها بعد الانتهاء منها، طوال مدة شغلي في الفن التشكيلي..!
(علامة كلود فيالا هي شعاره الشهير الذي يكرره دون كلل أو ملل، موضوع للتخلص تماماً من مسألة الموضوع، وبالمقابل يمكن لهذا التصوير أن يتخذ كل الوجوه خلال تبادله الدائم مع أداته: غطاء قماشي، خيمة قوارب، مظلات، مشالح مصارعي الثيران..)
لابد لأي متابع للوحتك من أن ينتابه الفضول لمعرفة ماذا يعني هذا الشكل الذي لاتمل من تكراره طول الوقت..؟
هذا القالب لا يحمل أي رمز، أو أي دلالة لا هندسية، ولا تزينية، هو شكل لا على التعيين، اخترته منذ زمن طويل، وإذا قمت بتغييره اليوم، فكأنني خرجت على كل ما اشتغلت عليه، الذي هو (حوامل ومساحات)، وهذا كان مبدئي في التشكيل..!
أليس من غاية أبداً لملء اللوحة عندك..؟
بالنسبة لي هذا القالب اخترته بالمصادفة، وهو اليوم أداة لشغلي، و..حسب، رسومي هنا لاتقدم أية موضوعات، وليس هذا هدفها، بل ملء مساحة الحامل، لتقديم الجمال اللوني الصرف، مع مايوفره الحامل من جماليات..الرسومات تقوم على التكرار باستخدام القالب فقط، يمكن أن تصير (لوحتي) موضوعاً عندما يتم اختيارها لتكون ستارة لنافذة على سبيل المثال..
(التصوير كأسئلة وكتساؤلات متتالية منطلقة من أجوبة لا تنتهي ضمن منظومة تُبعد كل الصور لتحتفظ فقط بماديتها ويد الفنان الذي يخدمها. إنها بنية تبتعد عن ذاتها وتعود دوماً إليها..)
ألهذه الدرجة البساطة، أو الشغل عليها صعب..؟
دائماً أطلب من متلقي لوحتي عند افتتاح كل معرض لي: أرجوكم لا تحملوا لوحتي أكثر مما تحتمل، فأنا أقدم أبسط أشكال الفنون التشكيلية بدون أية تعقيدات، والحساسية بين اللون الذي على حواملي ليس أكثر من طريقة التلقي التي يقترحها المتلقي نفسه عندما ينظر إلى لوحتي..بالنسبة لي أنجز عملي الفني، والمتلقي يراه كما يريد، العمل بسيط للغاية، لكن إذا أراد المشاهد أن يعقده ماذا أفعل له، بالتأكيد لا أستطيع أن أمنعه..المهم أن نزيح الأشياء وان تكون وقاحتنا في محلها، وأن نتجاوز الحدود بقدر المستطاع وألا نضع أنفسنا في إطار التقليد، بل أن نختار العزلة دوماً..
(في معرضه الذي ضمّ لوحات قماشية بقياسات مختلفة، يحاول فيالا ألا يترك اللوحة تعبر عن أي شيء آخر سوى ذاتها كلون وخامة، ويُعفيها من أي تجسيد..)
طيب ألم يستنفذ هذا التكرار جمالياته، وهذا الشكل معطياته التشكيلية..؟
بالنسبة إلى الرسم الذي أشتغل عليه، فإنّ لدي لوحة لا تكتمل أبداً كل لوحة تُضيف إلى الأخرى التي تليها، وفي كل مرة أرسم جزءاً من هذه اللوحة، ومع ذلك فمبدأ التكرار أمر معروف في الفن منذ القديم، وهذا لا يُضير التشكيل في شيء، وأما بالنسبة للشكل، فأنا لا أستخدم الأغطية ذاتها، ولا يعني لي شكل القماش شيئاً، ولا نوعيته، الأمر الذي وفرّ لي من خلال هذه الأقمشة المختلفة، أي تغيير الحوامل، ومن ثمّ المساحات، أن حصلت على نتائج مختلفة في كل مرة، وكما أذكر دائماً، فالمتلقي العادي عندما ينظر إلى اللوحة، فهو يريد أن يجد موضوعاً، لوحاتي لن تخدمه في هذا المجال، ومن جهتي أرى أنّ مثل هذا الأمر إبداع أيضاً..
لكن أنت تريد أن تقول شيئاً ما بعد كل ذلك..؟
المبدأ في شغلي يقوم على تفكيك اللوحة، والنظر إليها بطريقة مختلفة، بعيداً عن اللوحة المسنودة على أبعاد، وهذا مثّل تياراً كنت رائده على الدوام، ليس داخل فرنسا وحسب، بل لدى الكثير من الفنانين في العديد من الدول الأخرى، وهو ميل لمحاولة تغيير طريقة النظر إلى اللوحة، والتأمل فيها بقراءة مختلفة..
تستبعد أي أبعاد للقماش ؟
عندما يكون قماش اللوحة مشدوداً إلى قوالب خشبية، يصير صاحب النتاج الإبداعي كما المُصنّع الذي يقدم منتجاته للبيع بذات البرودة، إبعاد القوالب الخشبية، وتحرير القماش، يصير الحامل هنا –القماش- معادلاً لما في اللوحة ذاتها، بالنسبة لي كان القماش دائماً هو الأثير لأعمالي، لكن هناك في القماش ذاته مايمكن أن نسميه كولاجاً في هذه الحوامل، من حبال، وحلقات، وثقوب، وفتحات.. وجاءت بفعل المصادفة، لأنني لا أريد أن أحمل اللوحة غير الإبداع التشكيلي الصرف..
(مهرجانات من الألوان يقدمها فيالا بمساحات مختلفة، وقد خلص القماش من أية أبعاد خشبية، وكأنّ اللوحة لم تنته هنا، بكل مايُعطي الحالة من احتراف، وبساطة، رغم ثيمة التكرار التي توحي بها العلامة..)
تأخذ القماش على عفويته الأولى الذي تجده عليها، هل من حكمة في الأمر..؟
اعمل على القماش حسب العناصر الموجودة فيه، بعض الأقمشة تكون ملوثة بما تتركه العصافير عليها، مثل هذه الإضافات أجدها تعطي قيمة تشكيلية في اللوحة، مشالح مصارعي الثيران على سبيل المثال، جاءت لتكسر التكرار، وقد يوجد فيها بعض الثقوب، قد اتركها، وقد أرقعها، وهي تُعطي في الحالتين جماليات تشكيلية أجدها نادرة..
تتشابه أعمالك إلى حدٍّ كبير مع الفنان السوري الراحل مصطفى فتحي، هل تعرفه، وتعرفت على أعماله..؟
زرت محترفات الفنان التشكيلي السوري مصطفى فتحي، وزرت آخر معارضه في غاليري أيام، وأعمالي تتقاطع مع أعمال هذا الفنان الرائع، لكنني تأسفت كثيراً لأنني وجدت (أقمشته) وقد شُدت إلى أبعاد خشبية، وأعتقد لو كان حياً لما سمح لأحد بتقييدها، ذلك عندما تعلق مثل هذه الأعمال إلى أبعاد، فإنها تخسر بذلك فكرتها الأساسية، فهي ليست أعمالاً تزيينية، بقدر ماهي أعمال إبداعية لها هدف آخر ">تماماً..
حاوره علي الراعي - ترجمة كندة وهبة جريدة تشرين 10 شباط 2010