منذ معرضه الفردي الثالث في صالات عرض الوطن الذي أقامه في صالة (عشتار) للفنون بدمشق العام 1996 وحتى معرضه الأخير المقام في صالة (السيد) للفنون بدمشق. من 10 إلى 31/12/2009 والذي دعاه (تراب) وضمنه ثلاثين لوحة مختلفة القياسات، يحفر إبراهيم الحميد، وبعمق، في ذاكرته البصرية الأولى، وأحاسيسه المتوهجة بالحيوية والشغالة، بحثاً عن الإشارات والرموز ومحمولات بيئة التكون الأولى، سعياً ورغبة محمومة منه، لاستعادة طفولته ويفاعته، أو شيئاً من تلك المرحلة الريفية الغنية، كمعادل لحاضر زاخر بالإرهاصات والخيبات وافتقاد حميمية العلائق وصدقها ونبلها.
في أعمال معرضه الثالث، وكما سبق لي وأشرت في (تشرين) حين إقامته، تجلت المرأة بدلالاتها المختلفة: فهي مايهوى قلب الفنان، وينتظره جسده المشتعل بالرغائب. وهي المحرض والدافع والمبرر لأن تتوقد الأصابع بالحياة وتبدع اثباتاً للذات. وهي الأم- الصدر الحنون المفتقد الذي كان مستنفراً وجاهزاً أبداً ودائماً، لاستقبال حالات البوح، على اختلاف ألوانها وأطيافها ومذاقاتها!!.
وهي الكتف الصلب الذي لايمنن ولايتعب من إسناد انهيارات الداخل وهزائمه، وتالياً، هي القلب الكبير الواسع الجاهر للمشاركة بالانتصارات والهزائم على حد سواء وبالصدق نفسه.. وهي الأذن المحبة الناصحة التي لاتتوانى عن الإصغاء لكل أنواع البوح.
وهي الأفق الرحب الواسع الذي تنهار فيه، حصارات القلب، واختناقات الروح المتعبة. وهي المرأة – الأرض التي لاتتعب من صنع الحياة وتجديدها. هذه الصور الساحرة، الجميلة، الرائعة، للمرأة وتماهيها مع الأرض بكل مكوناتها، لاتزال موجودة في أعمال الفنان الحميد. بل ازدادت ألقاً ونضجاً وعمقاً ووضوحاً، حيث مازال يشتغل باجتهاد وحب يصل إلى درجة العشق، على موضوع المرأة والأرض، أو المرأة وما يحتضن التراب. فهي لديه الملكة المتوجة على هذا العالم. تسكن فضاء الطبيعة، وتتآلف إلى حد التماهي مع كائناتها من حيوان وطير ونبات، تارة تتداخل معها، وتارة أخرى تشكل خلفية لها.
والمرأة لدى إبراهيم ساكنة، هادئة، متأملة بحزن شديد، تفوح منها رائحة الاسطورة، وتسكنها غرابة الخيال وسحره، ذلك لأن إبراهيم لايأخذها كما هي في الواقع، بل يشتغل عليها اختزالاً وتحويراً محولاً إياها إلى جزء لايتجزأ منها، بهدف الإمعان بتأكيد هذه العلاقة بينهما وتجذيرها.
من هنا جاء عنوان معرضه الأخير (تراب) إذ يصعب على المتلقي فصل المرأة عن التراب في لوحاته، ولافصل التراب بكل محمولاته من رموز الحياة عن المرأة، مؤكداً بذلك على العلاقة الجدلية القائمة مابين التراب والإنسان: الإنسان الذي من التراب جاء وإليه يعود.
من الطبيعي أن تتفاوت سويات أعمال معرض الفنان الحميد، وأن تتباين كقيمة تشكيلية وتعبيرية، وأن تتلاقى مع تجربة الفنان الكبير فاتح المدرس في أكثر من جانب وخصيصة، فابراهيم تتلمذ على يد هذا الفنان المبدع، ويشتغل على الموضوع نفسه الذي شكل الركيزة الأساس لتجربة فاتح وهو: التراب السوري بكل محمولاته من ألوان ورموز وإشارات ودلالات وخصائص جغرافية وحضارية، وعلاقته بالمرأة، مع ملاحظة أن المدرس كان أكثر ميلاً إلى استخدام عناصر قليلة في لوحته، بينما الحميد، يلجأ إلى حقنها بعناصر كثيرة وكثيفة (باستثناء بعض اللوحات الصغيرة التي اقتصرت على الوجه).
من المزايا الهامة في تجربة الفنان إبراهيم الحميد، تطورها الهادئ والمتزن والعميق، وتجددها الدائم، واعتماده على الخط (الرسم) واللون في إنجازها، والتنويع المدهش في طريقة استخدامه للعجينة اللونية التي يمدها فوق العنصر، ثم يعمل فيها حفراً وقشطاً وإضافة، خالقاً جواً (غرافيكياً) لافتاً، يسعفه كثيراً في إغناء سطح لوحته بصرياً، وفي الآن نفسه، تعبيرياً ودلالياً.
والاختزال والتحوير لدى إبراهيم، مدروس ومتقن وموضوع في خدمة التشكيل والتعبير معاً، مايؤكد موهبته أولاً، وخبرته ثانياً. إن اشتغال الفنان الحميد في مجال رسم (الموتيفات) منذ سنوات طويلة في (تشرين) اسعفه إلى حد كبير، في منح لوحته هذه الخصيصة (الغرافيكية) المتفردة التي طاولت أدوات تعبيرها ومضمونها في آن معاً. إذ إن قراءات إبراهيم الدائمة (للنص المكتوب) ومحاولة ترجمته إلى (نص بصري) أفاده في تعميق ثقافته الفكرية، وإثراء خياله، وتطوير وسائل تعبيره، وهو مايتجلى بوضوح في لوحته التي يراها (كما أسرّ لي) نوعاً من الملاذ. فهي مثل أمه: عندما يضع رأسه المتعب في حضنها يرتاح. وهي أيضاً حبيبته التي يبهجه حضورها في بيته، وهي البنك الذي يضع فيه مدخراته النفسية. وهي الخزانة التي يحفظ فيها أسراره. حتى تعبه وحالات جبنه، يرميها فيها!!.
د. محمود شاهين - جريدة تشرين
4 كانون الثاني 2010