شبه أحد الصحفيين الاسبان دخول النحاتين السوريين إلى مدينة المونيكار الإسبانية الواقعة على البحر المتوسط بدخول عبد الرحمن الداخل »صقر قريش« إليها وقال: »ها هو عبد الرحمن الداخل يعود ثانية إلى المدينة بعودة أحفاده إليها
والذي دخلها فاتحاً ونشر فيها وفي عموم الأندلس العلم والثقافة والفن ، فهؤلاء النحاتون يفتحون آفاقاً جديدة في العلاقات الثقافية السورية ـ الإسبانية وخاصة في مدينة المونيكار والتي أقاموا فيها مجموعة من الملتقيات النحتية أنتجت عدداً كبيراً من المنحوتات وزعت في إحدى حدائق المدينة وتكريماً لأعمالهم الفنية الجميلة والرائعة سميت بـ »الحدائق النحتية السورية«.
ويحدثنا الفنان أكثم عبد الحميد المشرف على فريق النحاتين السوري عن تلك الحدائق النحتية السورية وعن مشاركتهم في الملتقيات النحتية: انطلقت الفكرة من ملتقى النحت الذي أقمناه في مصياف عام 2005 حيث في أثنائها عين مدير المركز الثقافي في مصياف السيد رفعت عطفة مديراً للمركز الثقافي في إسبانيا، ووعد بإقامة ملتقى مشابه في إسبانيا إذا سمحت الظروف، وكان الأمر واقعاً عندما التقى السيد عطفة بعمدة مدينة المونيكار، حيث تمخض عن إقامة أسبوع ثقافي سوري في تلك المدينة من خلال استضافة حفلات موسيقية سورية ومعارض فنية تشكيلية ، وكذلك ملتقى النحت، وكاد الحلم بإقامة الملتقى أن يتحطم عام 2005 لأن المؤسسات الثقافية حينها رفضت المشروع بشكل كامل، وأصر النحاتون على إقامة الملتقى ولو على حسابهم الشخصي، وتمكنوا بجهود شخصية من إيجاد الوسيلة لتغطية نفقات السفر.وشارك في الملتقى الأول ثمانية نحاتين وكان حرصهم كبيراً على نجاح التجربة النحتية السورية في مدينة المونيكار الإسبانية وكان الملتقى السوري الأول الذي يخرج خارج نطاق سورية.ويقول عبد الحميد: حرصنا كنحاتين أن نكون متميزين بأعمالنا وحضورنا السوري، عملنا بظروف صعبة جداً بالبداية ، ورغم ذلك نفذنا الأعمال بفترة قياسية، حيث استمر الملتقى 14 يوماً فقط ، أنجزنا خلالها ثماني قطع نحتية بقياسات كبيرة من 2.5 وحتى 3م .
تواصل وتفاعل
وكان التواصل مع أهالي المدينة وعمدتها بشكل يومي الذين تفاعلوا معنا بشكل كبير وساهموا بإنجاح الملتقى ووضعت المنحوتات في أروقة حديقة الـ »باركي ماخويلو« أي الحديقة النباتية وكانت المنحوتات بمثابة بصمة جمالية تحمل في مضامينها الثقافة السورية ساهمت في تكرار التجربة مرة أخرى بالعام التالي في ملتقى النحت الثاني عام 2006 ، وتكريماً للنحاتين المشاركين سميت الحديقة التي وزعت بها الأعمال النحتية بـ »الحدائق النحتية السورية« حيث تمت دعوة وزير الثقافة الدكتور رياض نعسان آغا لإزاحة الستار عن النصب التذكاري المتمركز وسط الحديقة والمتضمن العبارة التالية بالإسبانية (الحدائق النحتية السورية افتتحت برعاية وزير الثقافة السوري د. رياض نعسان آغا عام 2006)، وجرى ذلك وسط احتفال شعبي ورسمي ضم الفنانين الاسبان والفنانين السوريين، ولد انطباعاً جميلاً وبهجة بتلك الأعمال لدى المواطن الأندلسي.
حديقة فريدة
ومن هنا تولد الدعم من قبل وزارة الثقافة السورية ممثلة بوزير الثقافة بعد أن شاهد الأعمال النحتية ومدى الحضور السوري ومدى تفاعل الناس مع الملتقى النحتي. هذا التفاعل الذي كان السبب في تكرار الملتقى الثالث والرابع في عامي 2007و2008 ونتج عنها 32 قطعة نحتية توزعت في أركان الحديقة المتميزة والواسعة التي تقع وسط المدينة وتحتضن آثاراً فينيقية منذ 4000 عام وكذلك آثاراً رومانية إضافة لوجود أندر الأشجار المتميزة في العالم، فكل شجرة لها هوية مدونة عليها منطقة استقدامها وعمرها ونوعها، وهذه الحديقة تعتبر مركزاً هاماً للنشاط السياحي لزائري المدينة، إضافة إلى أنها منطقة عبور للمواطنين من البحر المتوسط إلى داخل المدينة. كما تتميز بوجود مسرح ضخم تقام فيه كل عام احتفالات لأهم الفرق العالمية إضافة للمعارض المختلفة، كما تقام فيه بعض الأعراس لأهالي المدينة.
المونيكار وصقر قريش
وتعد مدينة المونيكار أول مدينة يدخلها الأمير الأموي عبد الرحمن الداخل، ويفتخر مجلس المدينة وعمدتها بهذا الحدث وبشخصية عبد الرحمن الداخل، ولذلك أقاموا له تمثالاً من البرونز على تلة في منطقة دخوله للمدينة، ويتجاوز ارتفاع النصب 3.5 م شامخاً ومعبراً عن الفروسية العربية، فهم يعتبرونه فاتحاً ومؤسساً لفصل بالغ الأهمية بحياة المدينة أحدث خلاله تطوراً عمرانياً وثقافياً واجتماعياً متميزاً، وجعل مجلس المدينة في مدينة المونيكار أختام عمدة المدينة وشعار البلدية عبارة عن رأس للأمير عبد الرحمن الداخل متكرراً بين الأمواج ويعلوه الزورق العربي الذي دخل عليه المدينة، وفي شهر تشرين الأول من كل عام يعزف النشيد الوطني السوري ويرفع العلم السوري إلى جانب العلم الأندلسي أمام تمثال »صقر قريش« تحية له بمناسبة دخوله لهذه المدينة منذ 1250 عاماً، ويرافق هذا الأمر النشاط الثقافي السوري من خلال الملتقيات النحتية السورية، إقامة المعارض الفنية في صالة المجمع الثقافي بالمدينة ومن خلال هذا التواصل الثقافي السوري ـ الأندلسي المستمر، أهل المدينة أحبوا سورية وكانت النتيجة زيارة سبع مجموعات سياحية إلى سورية وعلى رأسها عمدة مدينة المونيكار.
يوم أندلسي في دمشق
في عام 2008، وبعد عودتنا من تنفيذ الملتقى الرابع قام العمدة بزيارة دمشق على رأس 30 شخصية هامة من مدينة المونيكار لإقامة يوم أندلسي في فندق الشام وألقى خطاب شكر للنحاتين السوريين ووزارة الثقافة السورية، ورافق ذلك إقامة حفلات موسيقية ورقص الفلامنكو تعبيراً عن الشكر لما أقام به النحاتون من نشر الجمال في المدينة. ووعد العمدة حينها بوضع لوحة كبيرة على بوابة الحديقة باللغة العربية والإسبانية والإنكليزية يكتب عليها العبارات التالية: (الحدائق النحتية السورية هي من إبداع الفنانين السوريين، وتعد هدية لأهالي مدينة المونيكار كعربون صداقة وتعاون منذ العهد الفينيقي مروراً بالعهد العربي الإسلامي وحتى أيامنا هذه)ولم يكتف عمدة المدينة باختتام الحدائق النحتية السورية، بل تعدى ذلك إلى استمرار الثقافة النحتية السورية من خلال ملتقيات قادمة بمناطق أخرى بالمدينة ليجعل من مدينة المونيكار مدينة النحت السوري.
حضور متميز للمرأة والجدير ذكره أن أغلب النحاتين الذين نفذوا الملتقيات النحتية الأربعة من معهد الفنون التطبيقية بدمشق إضافة لبعض النحاتين السوريين المتميزين، وكان للمرأة السورية حضور قوي بين النحاتين أثار إعجاب الإسبان وزوار إسبانيا من خلال تعامل المرأة السورية للكتل الرخامية الضخمة وتطويعها بمفردات جمالية، واستطاعت بذلك أن تغير الأفكار المغلوطة التي شوهت سمعة النساء العربيات من خلال المنابر السياسية والصحفية المغرضة.ويختم الفنان عبد الحميد: إن تلك المشاريع هي مشاريع استراتيجية ثقافية ويجب على مؤسسات الدولة أن تدعم مثل هذه الثقافات لأنها الوحيدة التي ستضع بصمة قد تمتد لقرون، وستساهم في تغيير الكثير من المفاهيم حول رؤيتنا كشعب سوري للحياة، فالثقافة هي الطريق الوحيد للدخول إلى المجتمعات الأوروبية والتواصل معها لفهم قضايانا ومعاناتنا كشعوب يمارس عليها ضغوطات خارجية وتشوه سمعتها عبر كافة المنابر. وحالياً يحزم النحاتون الذين شاركوا في الملتقيات الأربع حقائبهم استعداداً للسفر الشهر القادم »أيلول« للمشاركة في الملتقى النحتي الخامس في مدينة المونيكار.
عاطف عفيف
إصرار