رحيل الفنان التشكيلي هيال ابا زيد شكل لوناً آخر من ألوان الانهزام والانكسار في هذا الزمن الصاخب بالفواجع...
فعلى الرغم من انه أبرز فناني مدينة درعا, فقد مرت مناسبة رحيله في صمت وتعتيم إعلامي مخجل, ولم أسمع بخبر رحيله إلا بعد مرور عدة أسابيع , ومن خلال مقالة نشرها الفنان والناقد التشكيلي جمال العباس في صحيفة تشرين يوم الثلاثاء 17 حزيران الجاري.
هيال ابا زيد فنان مخضرم تأثر بالتراث الزخرفي والمعماري والشعبي والاشكال الاخرى, وظل يتغير ويتطور في خطوات بحثه اليومي عن لوحة حديثة بروح عربية , وقد توصل إلى أسلوبه الفني الخاص , بعيداً عن البهرجة والاغراء المتحفي التقليدي, كما أعطى بحثه التشكيلي والتقني كل اهتمامه ولم ينقطع عن الانتاج والعرض منذ ستينات القرن الماضي. إضافة إلى دوره النقابي والتربوي الريادي.
فمن خلال المعطيات التشكيلية القديمة والحديثة والمتجددة والمعبأة بشحنات الاحساس, قدم مناخية أسلوبية خاصة بعيدة عن الاسترسالات المساحية الواسعة والمفتوحة على نسيج احتمالات تجربته المتواصلة باستخدام الخطوط العفوية التي تحدد الاشكال والعناصر, مع المحافظة على إمكانية قراءة اللوحة, وبالتالي قراءة رموز أحلامه الشرقية, وهذه ميزة تنسحب على مجمل نتاجه التشكيلي. فهو مهما كان يتجه بلوحته نحو عفوية الخطوط والالوان المأخوذة من الاجواء المحلية في الارياف السورية , فإنه كان يبقى قادراً على إيجاد فسحة تلتقي فيها التراكمات الثقافية المعاصرة , التي عالجت قضايا التعبير عن التراث بأشكال حديثة ومتجددة, لاتشكل اغتراب الفنان عن البيئة والواقع والحياة العربية. وبمعنى آخر مهما كان هيال ابا زيد يختصر أشكاله وألوانه فإنه لم يكن يصل إلى حدود اللوحات التجريدية القائمة على علاقات لونية بصرية بحتة أو خالصة.
ومع ذلك تجاوز في مجمل لوحاته التي كان يقدمها في المعارض الفنية الرسمية, الشكل الواقعي باتجاه إثبات الحضور الفني المتحرر, في خطوات استلهامه لعناصر التراث الشرقي, حيث كان يطمح دائماً إلى إقامة ما يشبه المهرجان الفولكلوري والبانورامي, وباستخدام المفردات التشكيلية, التي تجمع بين العناصر الزخرفية والمعمارية والانسانية والحيوانية.
كما كان يجنح وفي كل مرة نحو مظاهر تشكيل هذه العناصر وإضفاء المزيد من المساحات المسطحة, على الرغم من تكثيف الاشكال على مساحة لوحاته , باعتماد تقنية تركيب الطبقات اللونية , والاتجاه إلى شيء من العفوية المنمنمة والفطرية في صياغة الاشكال والمفردات والعناصر الشعبية والفولكلورية .
وعلى الرغم من انه قدم لوحات مقروءة ومفهومة , إلا انها تحتاج إلى حساسية بصرية وروحية غير اعتيادية من المتلقي ليستطيع الدخول في أعماقها والاحساس بجمالياتها الحقيقية, واكتشاف التأليف اللوني الحديث, المنتمي بكل إيقاعاته إلى العناصر التأسيسة لثقافة فنون العصر .
هيال ابا زيد فنان نشعر حقاً بحزن عميق لاننا فقدناه .
أديب مخزوم - الثورة