تستضيف صالة الشعب للفنون الجميلة عرضاً مشتركاً لعدد من التشكيليين ممن ينتمون لجمعية أصدقاء الفن، والتي تأسست عام 1963، ويضم هذا المعرض عدداً كبيراً من اللوحات وعملاً نحتياً يتيماً للنحات عبد العزيز دحدوح. وبالطبع فإن هذه المناسبة المتمثلة في هذا التقديم لعدد من التجارب تتضمن نتاجاً متنوعاً إلا أن السويات تتفاوت بين ما هو أصيل والآخر من الأعمال التي يغلب عليها التواضع.
ما يلفت هنا وللأسف فيما رأينا من أعمال بل ما قرأنا في التقديم لهذا العرض في الدليل المتضمن لأسماء المشاركين والبعض من صور الأعمال حيث جاء على لسان الفنان محمد غنوم رئيس الجمعية المذكورة ما يلي: «.. باعتزاز نقدم هذا المعرض المتميز..» وهذه العبارة بالطبع تبعث على الاستهجان والمزيد من الاستغراب، وليس لأنها تكتنز المزيد من النرجسية فحسب، بل لأنها تعكس قصوراً في تحديد مفهوم الجمال والأصالة وهذا ما يؤكده عموم المعروض. فعند حضور الحاجة لذكر مثل هذه العبارة لابد من غياب أي عمل لا يتمتع بسوية مرجوة أو على الأقل يوازي سواه من الأعمال المعروضة.
على أي حال فإن هذا المعرض يحتضن المزيد من التجارب الغنية والملفتة في التجمع السنوي الذي يمثل استمرار نشاط هذه الجمعية الذي نتمناه حاضراً وبقوة في الحركة التشكيلية المحلية، ترفده رؤى جديدة وتطلعات تشكيلية من شأنها تقديم ما يبدو عليه من الجدة والتمثل الحقيقي لأفكار الفنان وواقعه ومواكبته لكل ما يحيط من ظروف زمانية ومكانية، محلية وعالمية، وذلك في اطار التفاعل بين أفراد هذه الجمعية، والالتقاء عند أفكار معينة ورؤى فلسفية أو جمالية متقاربة، وتقديم بيانات محددة وهادفة، وهذا ما نتوقع من تجمع فني ما.
من الأعمال اللافتة تبرز لوحة الفنان نذير اسماعيل التي تحتضن عدداً من الوجوه المتقاطعة مع خلفيات مسبقة الانتاج ككولاجات تدخل بشكل رئيسي في تكنيك لوحته استمراراً لتجاربه البحثية في موضوع البورتريه المستهدف لديه بأسلوب تعبيري مؤثر تتشابك فيه الذوات البشرية والمؤثرات المحسوسة في الشخصيات المتصدرة لعمله.
كذلك تبدو وبهذا التأثير أعمال الفنان وليد الآغا التي تستنزف المزيد من الجهد الذهني الذي يفضي عبر الأداء التشكيلي والفعل الفني الخاضع لمراحل متعددة إلى سطوح تصويرية يتخللها المرسوم الخطي الخاضع لإبداع في التأليف وخلق الأثر المتنوع، يتخللها بمزيد من الانسجام والارتباط والتوحد. وذلك من خلال تقنيات مختلفة تتصدرها الطباعة التي من شأنها حضور وحدات زخرفية مبتكرة.
ومن الأعمال الحاضرة برصانة في هذا المعرض نذكر الأعمال الثلاثة ذات القطوع المتوسطة العائدة للفنانة عناية البخاري والتي تتناول فيها الأجساد الانسانية من خلال بقع لونية متقاطعة ومتجاورة عبر أشكال هندسية وأخرى ذات حدود عشوائية مدروسة تؤلف بشكل لطيف التصميم العام للعمل الذي تسوده ألوان معينة يغلب عليها الأزرق المحمر وذلك ضمن صياغة تجريدية لطيفة.
أما المنحوتة الوحيدة فهي تمثل فتاة تكتنز حيزاً من الأنوثة والطرافة في الحركة وكذلك الرقة- الحاضرة من خلال الصياغة التي تستنبط المزيد من المشاهد المتخيلة التي كان من شأنها تأكيد سطوح ونسب تخدم العمل. وهنا يمكن الإعراب عن الأسى والأسف لعدم حضور فن النحت إلا في هذا العمل.
أما الفنان خليل عكاوي فيشارك في عمل يؤكد حضوره الدائم بين ما يربط التعبيرية بالتجريد، وفي هذا البرزخ تتصاعد تجربته متقدمة في تطورها وتجددها من خلال موهبة وأداء حاضرين.
أما الفنان موفق مخول فتحمل لوحاته مشاهد لفضاءات مستلهمة من البيئة الشرقية تتصدرها الحشود من خلال تناول عفوي للعناصر على اختلافها واهتمام بالغ بالضوء الذي يؤثر على مجمل الناتج التشكيلي ليتسع فضاء اللوحة ويزداد عمقه وتأخذ الأشكال حيزها المكاني على الرغم من مجموعات اللون المتقاربة وتظهر في النهاية أعماله ذات أبعاد جمالية واضحة وصيغ تعبيرية مؤثرة.
لم يخل المعرض من اللوحات التي تتناول الحرف العربي كعنصر رئيسي في العمل، وكانت اللوحات التي تتناول الطبيعة موضوعاً حاضرة، كالأرياف والحارات القديمة. كذلك حضر بعض الأعمال الرمزية والتي حملت عناصر مختلفة كالموروثات من العناصر التراثية وغيرها.
وبالطبع هناك أعمال قيمة أخرى لم نأت على ذكرها إلى جانب تلك التي رأيناها متواضعة للغاية.
قصي بدر - جريدة الثورة - 15 - 2 - 2010