يلفت الفنان نزار صابور انتباهنا في معرضه الذي أقيم في صالة تجليات والذي يستمر لغاية 5/12/2009 اتجاه حقبتين تاريخيتين مهمتين في الفن السوري وذلك في سلسلة لوحات جديدة يعيد بها بناء ظلال الرؤوس في المنحوتات التدمرية الأنثوية والتي استخدمها السكان العرب القدماء في أضرحة البلدة الصحراوية في تخليد أنفسهم، والتي هي اليوم مبعثرة بشكل واسع في العديد من المتاحف حول العالم.
ولا نجد في لوحات صابور أي صور شخصية (بورتريهات) بل رؤوس مقلوبة ويظهر ذلك في ترتيب التجاعيد على الوجوه وأغطية الرأس المثنية بانتظام والملابس التي يحاول مرتديها من النسوة إظهارها بشكل أكثر بذخاً. ولا غرو، فحتى على الأعمدة الضيقة في المدافن تحت الأرضية التدمرية تم رسم التماثيل النصفية لقاطني تلك القبور، الواحدة فوق الأخرى بحيث أخفى اللون جيداً مسائل الاختلاف في الأعمار والملامح الحادة للأنوف والتجاعيد المزوية عند الأفواه.
النحت التدمري لا ينسى
وفي حديث لـ «الوطن» مع الفنان التشكيلي نزار صابور عن فكرة المعرض قال: إن الأفكار موجودة في كل مكان والهدف كيف يمكن تحويل الأفكار إلى أعمال، فبالنسبة له أوضح صابور أنه يقوم بوضع فكرة ومن ثم يحاول أن يصنع منها أعمالاً. وعن فكرة هذا المعرض قال صابور إن الفكرة بدأت في المرة الأولى التي شاهد بها النحت التدمري فالذي يراه لا يمكن أن ينساه، وأعاد صابور ذلك لعدة أسباب الأول هو المستوى العالي لهذا النحت والمحلية المذهلة الموجودة فيه، ورغم أن البعض يقول إنه روماني لكن صابور يؤكد أنه روماني لكنه محلي بشكل كامل فالسحنة الموجودة فيه هي سحنة النساء التدمريات فالنساء العربيات التدمريات اتبعن الأنماط السائدة لأزياء الحكام الرومان الأجانب ولكن كان لديهن تصوراتهن الخاصة في حالتي الألوان والمجوهرات كما نجد ذلك كما- أوضح صابور- في نماذج خاصة بالأذواق والعادات العربية المستمرة حتى يومنا هذا.
أما الأمر الثاني كما قال صابور فهو كيف يمكن أن تصنع لوحة من هذا النحت مشيراً هنا إلى تجربته حيث إنه بدأ بعدة تجارب وعمل في بادئ الأمر بأدواته والمواد التي يستخدمها عادة ثم أدخل الرمل وهذا الأمر استغرق ما يقارب السنتين ونصف السنة.
اللون عنصر أساسي
وعن الألوان المستخدمة في اللوحات قال صابور إن اللون دائماً يعد العنصر الأساسي بالعمل ولكن كيف يتم فهم هذا اللون حيث يختلف ذلك من شخص لآخر فالأمر يتعلق بالخبرة والعمر وبالتفضيلات الذاتية بالإضافة إلى مهام فنية يضعها الفنان أمامه.
وعن لوحاته قال إنه رسم خيالات شخوصه على خلفيات مظلمة وسحب منها قتامتها التي اختزنتها لعدة آلاف من السنين، مستخدماً الألوان المنبثقة من العواطف الرملية التي تلوح في الأفق بسرعة كبيرة والتي لايمكن التنبؤ بها أبداً، فهي تجتاح معالم الطبيعة والأبنية وكل شيء.
فلسفة الجمال في الحياة والموت
وبيّن صابور أن الأشكال في لوحاته مأخوذة من تماثيل نساء تدمريات أثريات كانت توضع في المقابر وما جذبه لهذا العمل أمران هما صفة الجمال الموجودة عند التدمريين والجمال الذي يستخدمونه في حياتهم من خلال تزيين بيوتهم وتزيين النساء نفسهن وأمور أخرى مميزة جداً في النحت التدمري وهي الحلي والزينة التي كانت تضعها النساء. وأوضح صابور أن اهتمام النحت التدمري بالجمال والتزيين بالحيات رافقه اهتمام بالجمال بالممات أيضاً بمعنى أن المقابر عندهم كانت دائماً تحوي على نحت وجداريات وهذا إن دل على شيء كما قال الصابور فيدل على فلسفة الجمال الموجودة لدى التدمريين في الحياة والممات.
وأضاف صابور إن الأمر الآخر الذي حرضه هو «الأثر» أثر الزمن على كل شيء وأثر الرطوبة على المعدن موضحاً أن أثر الزمن على الرسم الجداري مهم جداً له، فالأثر كما قال يعطي معاني عميقة للعمل من احتمالات وتأويلات فيستطيع من يشاهده تصور كم من المشاعر وكم من الأحلام والذكريات مرت جانب هذا الجدار، مؤكداً أن هذا الأثر أيضاً موجود في تجربته «جدران تدمرية».
وأشار صابور في نهاية الحوار الى شيء آخر لافت استخدمه في تجربته هذه، وهو أن التدمريين كانوا يصفّون تماثيلهم جنباً إلى جنب بأشكال إما أفقية أو عمودية وهذا انتقل إلى لوحاته باللاشعور.
جريدة الوطن - 2009-11-23 - لمى طباخة